الفصل الثاني: المحكمة الاتحادية العليا في دستور دولة الإمارات العربية المتحدة

يعتبر اليوم الثاني من ديسمبر من كل عام يوماً وطنياً لدولة الإمارات العربية المتحدة. ففي مثل هذا اليوم من عام 1971م صدر بيان عن المجلس الأعلى للإمارات العربية المتحدة أعلن فيه عن قيام دولة عربية خليجية مستقلة ذات سيادة، وجزء من الوطن العربي الكبير تحت اسم "دولة الإمارات العربية المتحدة". كما صدر عن المجلس في اليوم ذاته إعلان بالعمل بأحكام الدستور من تاريخه.

المبحث الأول : رئيس المحكمة الإتحادية العليا و قضاتها

حرص الدستور على أن يحدد بنفسه الأداة التي يجري بها تعيين رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا، حتى يخضع هذا الإجراء لقاعدة ثابتة تمنع تغول أية جهة على القضاء عن هذا الطريق، فأوجب تعيينهم بمرسوم يصدر بعد موافقة المجلس الأعلى للاتحاد. ولا ريب أن تلك أعظم ضمانة يحقق بها للقضاء استقلاله بعيداً عن تدخل السلطة التنفيذية، فقد نص صراحة في المادة (96) على أنه: "تشكل المحكمة الاتحادية العليا من رئيس وعدد من القضاة لا يزيدون جميعاً على خمسة يعينون بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بعد مصادقة المجلس الأعلى عليه………الخ". وأسند للمجلس الأعلى للاتحاد اختصاص تعيين رئيس المحكمة الاتحادية العليا وقضاتها، وقبول استقالاتهم، وفصلهم إذ جاءت المادة (47/6) وهي بصدد تحديد اختصاصات المجلس على أنه: "الموافقة على تعيين رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا وقبول استقالاتهم وفصلهم في الأحوال التي ينص عليها هذا الدستور، ويتم كل ذلك بمراسيم." . ثم عني بإظهار تمسكه بهذا الإجراء -التعيين بمرسوم يصدره رئيس الاتحاد بعد مصادقة المجلس الأعلى للاتحاد- على وجه قاطع، فحرص في المادة (54) وهو يعدد اختصاصات رئيس الاتحاد أن يستبعد منها تعيين رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا فجرت الفقرة السادسة من هذه المادة بأنه: "يعين الممثلين الدبلوماسيين للاتحاد لدى الدول الأجنبية وغيرهم من كبار الموظفين الاتحاديين المدنيين والعسكريين (باستثناء رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا)ويقبل استقالاتهم ويعزلهم بناء على موافقة مجلس وزراء الاتحاد. ويتم هذا التعيين أو قبول الاستقالة أو العزل بمراسيم وطبقاً للقوانين الاتحادية." وعاد إلى تأكيد هذا المعنى في المادة (115) حين اعتبر هذا الإجراء من الاختصاصات الأصيلة التي لا يجوز التفويض فيها، فقد أورد في هذه المادة ما نصه: "للمجلس الأعلى أن يفوض رئيس الاتحاد ومجلس الوزراء مجتمعين في إصدار ما يقتضي الأمر إصداره في غيبة المجلس الأعلى من المراسيم التي يختص المجلس المذكور بالتصديق عليها على ألا يشمل هذا التفويض الموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية أو إعلان الأحكام العرفية ورفعها، أو إعلان قيام الحرب الدفاعية أو تعيين رئيس أو قضاة المحكمة الاتحادية العليا." وبذلك يكون الدستور قد سوى في الأهمية -من زاوية عدم جواز التفويض- بين تعيين رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا، وبين الموافقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية وإعلان الأحكام العرفية ورفعها وإعلان الحرب الدفاعية، فدل بذلك على تقديره لمدى أهمية هذا الإجراء من حيث كونه دعامة أساسية لاستقلال القضاء في أوضح صوره.

ثانياً: أسباب انتهاء ولاية قضاة المحكمة:

رغبة من المشرّع الدستوري في تأكيد وتدعيم مبدأ عدم القابلية للعزل، فقد حدد في المادة (97) من الدستور أسباب انتهاء ولاية رئيس وقضاة المحكمة الاتحادية العليا، باعتبار أن هذا التحديد مكمل -من ناحية التطبيق العملي- لمبدأ عدم القابلية للعزل. وطبقاً للمادة المذكورة، فإن ولاية رئيس المحكمة وقضاة المحكمة الاتحادية العليا لا تنتهي إلا لأحد الأسباب التالية:

  1. الوفاة
  2. الاستقالة
  3. انتهاء مدة عقود المتعاقدين منهم أو مدة إعارتهم.
  4. بلوغ سن الإحالة إلى التقاعد.
  5. ثبوت عجزهم عن القيام بمهام وظائفهم لأسباب صحية.
  6. الفصل التأديبي بناء على الأسباب والإجراءات المنصوص عليها في القانون.
  7. إسناد مناصب أخرى لهم بموافقتهم.

والبين من المادة المشار إليها أنها علقت الاستقالة على صدور مرسوم بقبولها بعد موافقة المجلس الأعلى للحكام عملاً بصريح المادة (47/6) على ما سلف بيانه. ولعل السبب في ذلك توفير مزيد من الضمان للقاضي حتى لا يضطر إلى تقديم استقالته بسبب تدخل أو ضغط أو غير ذلك مما ينطوي على تعدٍ على استقلال السلطة القضائية. وحفظاً لمكانة القضاة وتدعيماً لاستقلالهم واستقرارهم، أخضعت المادة المذكورة الفصل التأديبي لإجراءات محددة رسمها القانون. أما عن النقل إلى مناصب أخرى، فقد اشترطت المادة موافقة القاضي حتى لا يساء استخدام هذه الوسيلة فتتخذ منفذاً لإهدار استقلاله."

رئيس المحكمة الاتحادية العليا وقضاتها لا يعزلون إبان توليهم القضاء ولا تنتهي ولايتهم إلا لأحد الأسباب المبينة حصرا في الدستور. "يؤدي رئيس المحكمة الاتحادية العليا وقضاتها، قبل مباشرة وظائفهم، اليمين أمام رئيس الاتحاد، بحضور وزير العدل الاتحادي، بأن يحكم بالعدل دون خشية أو محاباة، وبأن يخلصوا لدستور الاتحاد وقوانينه"عملا بالمادة 98 من الدستور ولا يخفى ما في اليمين من معان سامية تبرز فيها خصائص القضاء المستقل من تحقيق العدل، والتزام الحيدة، ومراعاة الحق وحده، وأياً كان وجه الرأي في هذا الإجراء، فإن إغفاله يؤدي إلى انتفاء ولاية القاضي ويدمغ أحكامه بشائبة البطلان المتعلق بالنظام العام.